محمد متولي الشعراوي
4460
تفسير الشعراوى
ويقال : « حملت على الكلب » ، فأنت حين تجلس ويقبل الكلب عليك وتزجره وتطرده وتنهره ، فهذا نفسير لقوله : « تحمل عليه » ، أي أنك تحمل عليه طردا أو زجرا ؛ لذلك يلهث ، وأن تركت الكلب بدون حمل عليه طردا أو زجرا فهو أيضا يلهث ، لأن طبيعته أنه لاهث دائما ، وهذه الخاصية في الكلب وحده ، حيث يتنفس دائما بسرعة مع إخراج لسانه . ونعلم أن الحيوانات لا تلهث إلا إن فزعت فتجرى ، لتفوت من الألم أو من العذاب الذي يترصدها من كائن آخر ، وحين يجرى الحيوان فهو يحتاج لطاقة ، فيدق القلب بشدة ليدفع الدم بما فيه من غذاء إلى كل الجسم ، ولا بد للقلب أن يتعاون مع الرئة التي تمد الدم بالهواء . ونلحظ أن الكائن الحي حين يجلس برتابة فهو لا يلحظ تنفسه ، لكن إذا جرى يلحظ أن تجويف الصدر أو سعة الصدر تنقبض وتنبسط لتسحب « الأوكسجين » من الهواء لتصل به للدم بكمية تناسب الحركة الجديدة ، فيحاول أن يتنفس أكثر . ولا تفعل الحيوانات مثل هذه المسألة إلا إذا كانت جائعة أو متعبة أو مهاجة ، لكن الكلب وحده هو الذي يفعلها ، جائعا أو شبعان ، عطشان أو غير عطشان ، مزجورا أو غير مزجور ، إنه يلهث دائما . ولماذا يشبهه سبحانه بالكلب اللاهث ؟ ؛ لأن الذي يظهر بهذه الصورة تجده مكروها دائما ؛ لأنه متبع لهواه ، وتتحكم فيه شهواته . وحين تتحقق له شهوة الآن ، يتساءل هل سيفعل مثلها غدا ؟ وتتملك الشهوة كل وقته ، لذلك يعيش في كرب مستمر ، لأنه يخاف أن يفوته النعيم أو أن يفوت هو النعيم ، ويصير حاله كحال الكلب يلهث آمنا أو غير آمن ، جائعا أو غير جائع ، عطشان أو غير عطشان . فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( من الآية 176 سورة الأعراف )